تعدد قراءة النص: من منشورات اتحاد الكتاب العرب سنة2000

تعدد قراءة النص:
من منشورات اتحاد الكتاب العرب سنة2000

بقلم الدكتور / خليل الموسي

إنّ النّص الثري أولاً قابل لتعدّد القراءات واختلاف التأويل، بل هو يتجدّد في القراءة والاختلاف، وهو كالذهب الذي لايؤثر فيه أن يكون مطموراً تحت التراب، ثمّ إن الآراء التي قيلت في هذا النص أو ذاك لم تكن -غالباً- نتيجة لقراءة كليّة، ولذلك فإنها أقرب إلى الانطباعية منها إلى الآراء الموضوعية المستندة إلى منهج علمي رصين، ثمّ إنّ البلية التي أصابت نصوصنا في أن التنظير هيمن وطغى على الدراسات والتطبيق، حتى إنّ كثيراً من الدراسات المعاصرة التي يدعّي أصحابها فيها أنهم يميلون إلى التطبيق تتوقف في منتصف الطريق أو في ربعه لاهثة لتتكئ على رأي هنا ورأي هناك، وتسير مع هذه الآراء، حتى إن كان في وجهة مختلفة عن وجهة سيرها الأولى، تاركة النص وحده على قارعة الطريق. أما حالة النص في الدراسات النظرية فهي أسوأ وأمرّ، فلا ينطلق فيها الدارس من لغة النص ولا من لغة اللغة، وإنما هو يستدعي النصوص لتكون شاهداً على نظرية قرأها الدارس هنا أو هناك، فيأتي النص مصدّقاً وشاهداً على قضية لاناقة له فيها ولاجمل، ناهيك عن أنّ الدارس لايستشهد بالنص كاملاً، وإنما يجتزئ منه بيتاً أو بيتين أو مقطعاً ليكون شاهداً مناسباً على الموضوع أو النظرية أو الموقف المطروح، أو سوى ذلك.
ولذلك فإنّ لإعادة قراءة هذا النص مسوّغات، أولها أننا كنّا نستهلك النص ولا نُعيد إنتاجه، ونحن اليوم في عصر القراءة التأويلية نكمل بنية النص بالقراءة ونُغنيها، ونُعيد إنتاجها، وثانيها أن الدارس التقليدي كان قريباً من النظرية بعيداً عن النص، وكان التنظير في معظمه نقلاً عن إنتاج الآخر، فتراجعت القراءات التطبيقية، وظلّ النّص بعيداً عن الملامسة والمجاسدة، والاقتراب من النص، وملامسته، ومجاسدته، والولوج إلى أعماق بنيته عمل مختلف كلّ الاختلاف عما سبقه، وثالثها أن بعض الدراسين في بعض الدراسات التي يدّعون فيها أنها حداثية ومعاصرة سقطوا -بسبب شهوة التنظير والسرعة والنجومية واللامبالاة بالنّص وبالقارئ معاً- في بؤرة الأحكام السريعة على مذهب “خالف تعرف”، ومن ذلك الآراء المستعجلة التي قرّرها الشاعر أدونيس تقريراً لايستند إلى أيّ حجّة أو برهان، فاتهم القصيدة التي نحن بصدد دراستها بالتكلّف في بعض القوافي ومتابعة البيان العربي والنثرية والانفعال لا الفعل “2”، ولذلك كلّه جاءت هذه القراءة لنص يتفق الدارسون، بعد دراسة الدكتور أدهم له “3”، على أنه محطة سابقة للتاريخ الذي اتفق عليه دارسونا على ولادة الرومانسية العربية بما يزيد على ثلاثين عاماً، ولذلك كلّه فإنه نصّ جدير بالقراءة وإعادة الإنتاج.
والقراءة النّصّية التأويلية قراءة معرفة بالنص وإعادة إنتاج لهذه المعرفة، فالنص رسالة تستغوينا قبل التهيؤ لملامستها، وهي رسالة بين النّاصّ/ الباثّ والمتلقي/ القارئ، وهذه الرسالة محصّنة بالدلالة السطحية التي تخفي تحتها الدلالة الضمنية، كما هي محصّنة بالرمز والعلامات، وبخاصة في النص الغنائي الوجداني، فمن الصعوبة بمكان القبض على المفاتيح كافة، والرسالة هنا تبثّ إحساسات، وقليلاً ماتحكي أو تسرد أو تخبر كما هي الحالة في النص القصصي أو الدرامي، ولذلك فإن على القارئ أن يتسلّح في المقاربة اللغوية بأسلحة وأدوات مختلفة عن تلك التي يستخدمها القارئ في مقاربته لنص من جنس آخر، فإذا لم يفعل ذلك فإن حالته لن تكون أفضل من حالة راكب جواد امرئ القيس:
يُطيرُ الغلامَ الخفَّ عن صهواتِهِ
ويُلوي بأثوابِ العنيفِ المثقل “4”
ننتقل في قراءتنا للنص به من كائن لغوي إلى كائن شخصي حيّ، كائن يتقطر غواية وأنوثة، ولكنّه محصّن بالممانعة، ولذلك علينا أن نمتلك في توجهنا إليه وسيلة الغواية للغوص في مكنوناته ودهاليزه وعتمته، ولملامسة مستوياته وطبقاته الدلالية، وفي قراءتنا هدف، وهو تفكيك الدال واستنطاق دلالاته وعلاقاته الشبكية، ويتمّ بذلك التفاعل والمجاسدة بين النص والقارئ من خلال إنتاج جديد يؤكّد شعريته.

قد يعجبك ايضا