المبدع حين يصبح وجبة دسمة للأكتئاب

بقلم/ نورهان عز الدين

أرتدت معطفها الشتوي، و تركت رسالة تفوح منها رائحة الوداع تنتهي بعزاء و رجاء للغفران، عن ذلك الفعل الذي تصورت أن كل سبل الراحة لا تأتي سوى به؛ فقالت فيرجينيا وولف في رسالتها الأخيرة لزوجها لينارد وولف: “جل ما أريد قوله هو أننى أدين لك بسعادتى، لقد كنت جيدا لى وصبورا على، والجميع يعلم ذلك، لو كان بإمكان أحد ما أن ينقذنى فسيكون ذلك أنت، فقدت كل شىء عدا يقينى بأنك شخص جيد، لا أستطيع المضى فى تخريب حياتك ولا أظن أن أحد شعر بالسعادة كما شعرنا بها”. ثم ذهبت لأقرب نهر من منزلها و ملئت جيوبها بالحجارة، و بالتدريج أصبحت تختفي داخل النهر حتي اختفت من الحياة بأكملها. كانت فرجينيا وولف واحدة من أعظم الأدباء الانجليز، بالإضافة لتلك الموهبة العريقة، فكانت فيرجينيا تعاني من نوبات أكتئاب و إضطراب ثنائي القطب، تعرفت علي تلك الكاتبة من خلال الفيلم الأمريكي (The Hours) الذي تناول حياة ثلاثة نساء من بينهم فيرجينيا، و عندما اُغرمت بها من خلال الفيلم، بدأت التوغل في حياتها اكثر، و راودني سؤلًا مهمًا و أنا أفتش عن هذه المرأة في ذلك النهر التي أنتهت فيه.. هل الأكتئاب و الاضطراب النفسي له اتصال ما بالإبداع؟! و بدأت اتأكد من صحة ذلك الكلام عندما علمت أنها لم تكن تستطيع الكتابة إلا و هي في نوبات الأكتئاب، و عندما حاول الأطباء علاجها لم تعد قادرة علي الكتابة لفترة طويله. وفسر الطبيب النفسي سكليشر في دراسته، (فيرجينيا وولف.. المرض العقلي وعلاقته بالعملية الإبداعية) أن الأكتئاب هو الذي ساعد فرجينيا وولف على الكتابة الأدبية، وقدمت بسببها مجموعة من أعظم النصوص الأدبية في بداية العصر الحديث بإنجلترا. و لم تتوقف تلك النظرية بإقتران الإبداع و الاضطراب النفسي سوية لدي فرجينيا فقط، بل تطرق الأمر لغيرها، الكثير من المبدعين، كبيتهوفين، فيكتور هيجو، ادجار ألان بو، إسحق نيوتين، و الرسام فان جوخ الذي كان يعاني من إضطراب ثنائي القطب أيضًا، و رغم أنه طوال حياته لم يبع سوى لوحة واحدة، إلا أنه استمر في الرسم لأنه وجد راحة و سلام في فنه يقلل من حده إضطراباته و نوباته الأكتئابية، حتي اليوم الذي رسم فيه آخر لوحاته ثم عثر عليه مصابًا بطلق ناري بجانبها، و حتي اليوم يشغل بال العالم، هل انتحر فان جوخ أم قتل! و يؤكد فرويد على تلك النظرية بقوله أن الإبداع و الجنون لهما نفس المصدر. و هناك اسباب عدة تجعل المبدع اكثر عرضة للاكتئاب، فعلميًا الأشخاص الذين يتمتعون بمستوى عالٍ من الإبداع لديهم كثافة منخفضة لمستقبلات الدوبامين-الهرمون المسؤل عن السعادة- في المهاد، مثل بعض المرضى وعلى عكس الأشخاص الأصحاء الذين لا يتمتعون بإبداع قوي. و معظم المبدعين و الفنانين مروا بتجارب سيئة و مآسوية في الطفولة، و فسر البعض ان المآسي تؤدي الي زيادة طاقة الدماغ، فتظهر علي شكل نشاط فوق العادة، و تخرج علي هيئة صورة إبداعية. و يرجع ذلك في بعض الأحيان الي الحساسية المفرطة لدي الفنان أيضًا و أدراكه للأمور حوله بشئ من التفصيل، و ذلك كان سببًا قوي للاكتئاب. و أخيرًا ليس كل مكتئب مبدع، لكن في أغلب الأوقات يكون المبدع وجبة دسمة للأكتئاب. حتي و أن كان الأكتئاب في بعض الأوقات وسيلة لزياده تدفق الإبداع لدي بعض مرضاه، إلا إن ذلك الإبداع لا يظهر إلا ليقضي علي الكآبة الشديدة التي يعاني منها الفنان و تلتهم روحه ببطء و ألم شديد، مريض الاكتئاب لا يعاني قسوة المرض وحده، بل و قسوة تحمل عبء العالم الذي يعيش فيه أيضًا.

قد يعجبك ايضا