الكورونا وجدل الهُوّيات الجديدة: حرب جرثومية أم لحظة تغيّر لخريطة العالم؟

 

)الجزء الأوّل)

بقلم : الناقد البشير الجلجلي(1) (تونس)

لن أتحدّث عن الكورونا ( كوفيد 19) طبيّا بل همّنا البحث في تاريخ الفيروسات والوجه الحقيقي لها و المتسبّب الرّئيس فيها والزمن الذي يلي الكورونا تاريخا وشعوبا وهُويّات … فالوجه الطبّي جاب الإنسانيّة جمعاء ومنظمة الصحّة العالمية عدّته وباء أخطر ممّا حدث في العالم مدّة 300 سنة … فقد توقّع الخبراء أنّ يمسح القارات الخمسة ويذهب ضحيتها رغم التقدم الطبي ملايين البشر… آيتهم في ذلك أنّ الوباء مصنوع ومركّب …فهو فيروس تاجي هجين لا يُرى ولكن التّخفي الذي يميّز الكورونا يظهر فجأة في أعراض واضحة في نزلة البرد والسّعال الجاف وضيق التّنفس… ويقال إنّه انفلت من المخبر و هو مركّب من فيروسات عدّة فلمَ لا يصيب الأطفال … ؟ يقال إنّهم حديثو العهد بتلقيح الحصبة…ويذهب آخرون أنّ الفيروس تنقّل عبر تلقيح القوارض…و هي حيرة تشبه حيرة القارئ أمام حدث فوق طبيعي بعبارة ” ت.تودوروف ” في تعريفه للعجائبي موضوع كتابنا الجديد. ولكن الزمن الذي يطلبه العلماء والإنسان يواجه الموت كل يوم ليس مبررا ( بين سنة وسنتين) لأن الإنسانيّة في الاستعجالي والدّواء يُطلب ولا يُدرك على عبارة أبي هريرة المسعدي …ليطالعنا الصين اليوم بظهور فيروس جديد يدعى “هنتا”…فكيف السبيل لخلاص العالم أمام هذه الحرب الجرثومية ؟ ظهرت الأوبئة منذ 12000 سنة بسبب تغير سلوك الإنسان خلال العصر الحجري الحديث بإقامة مجتمعات زراعيّة مكثّقة السّكّان ممّا أدّى إلى ظهور فيروسات النباتات والماشية كالبتروفيروس ( فيروس البطاطا ) والطّاعون البقري . وفيروس الحصبة والجدري وهما أقدم الفيروسات التي اجتاحت العالم. ثم انتشر في ق13 م حيث نفق ربع سكان العالم…وانتقل الفيروس إلى العالم الجديد عن طريق الأوروبيين أيّام الاستعمار الاسباني للأمريكيتين…ممّا أدّى إلى انتشار الوباء ومات ملايين السكان الأصليين لخلو أجسادهم من المناعة . أمّا عن فيروس الأنفلوانزا فظهر في ق16 وتواصل في القرنين 17 و18 بوفاة أكثر من 100 ألف شخص للقرن الواحد. أمّا الأنفلوانزا الاسبانيّة التي ضربت العالم بعد الحرب الأولى ( 1918-1919) وحصدت 50 مليون بشر. والفضل للطبيبين لويس باستور(1822-1885) و إدوارد جينر( 1749-1823) في اكتشافات اللّقاحات للوقاية من العدوى من داء الكلب والجمرة الخبيثة والجدري. وظلت طبيعة الفيروسات غير معروفة حتى اكتشاف المجهر الدقيق الذي يحدّد طبيعة الفيروس في ثلاثينيات القرن العشرين للتّوقّي من الفيروسات الجديدة والقديمة..كشلل الأطفال والحصبة والجدري… والذي يهمّنا في هذا هو تغير خريطة العالم زمن فيروس الكورونا …فقد خلت الأنهج و الشوارع في أكثر من 200 دولة…وعاد الأفراد إلى ذواتهم…فضُرب عنق العولمة..و عُزل الأفراد في بيوتهم و الدول أغلقت حدودها …وأصبح الواصل الوحيد هو النّات . ولكن هناك وجه آخر يمكن الحديث عنه هو مزايا الكورونا .فالفضل الإيجابي لها أنّها وطدت العلاقات بين أفراد الأسرة الواحدة ، فقلت الخيانات و أصبحت العائلة مقتصدة تأكل ما لابد لها منه وتشرب مالا بد لها منه…كالشيخ الخرسانيّ في بخلاء الجاحظ …ومن فضائلها كذلك أن الدّينَ أصبح لله فلاحظنا أن الإيطاليين يصلّون وراء المسلمين …فلا فرق بين مسلم ومسيحي ويهودي إلاّ بالإنسانية. ولا فرق بين فقير ولا غني ولا رئيس ولا مرؤوس ولا صاحب دين و عرق و لون أمام الكورونا…سوّت الكورونا بين الناس جميعا كأسنان المشط…فهل يعتبر العالم بعد كورونا؟ وفضل الكورونا أيضا أنّها جعلت الشوارع نظيفة والهواء نقيا والسّمع هادئا، فقد خلت الشوارع من السيارات والهواء الملوّث والمصانع السّامة لنعود إلى الطبيعة ولو جزئيا مدة الحجر الصحي ( 14 يوما)…فهل سيستفيد العالم من الأزمة ما بعد زمن الكورونا؟. بعدما عاش هشاشة العولمة وهو ما يؤكده الباحث شاكر عبد الحميد إذ يقول “لقد جعلت مثل هذه الظواهر بعض المعلقين يقولون إن الانتقال مما سمي (زمجرة جوتنبرجس) الخاصة بالطباعة إلى قرية الاتصالات العالمية أو العالم الذي أصبح مثل القرية الواحدة التي تربطها الاتصالات الالكترونية، لقد كان انتقالا جذريا بشكل أفضى على نحو خطير في العلاقات التقليدية المعروفة بين التربية والثقافة. لقد حلت ثقافة الصورة محل ثقافة الكلمة”(2). وكأنّ العالم يتحوّل من العولمة إلى هوّيات جديدة كما يذهب إلى ذلك ” تشارلز تايلور”(3) … وقد تظهر في الأشهر القادمة هُويّات ما بعد كورونا تأريخا لقدرة شعب وضعف آخر وتآزر ثالث وامّحاء رابع. فعلى الدول الضعيفة أن تعوّل على كفاءاتها لمرحلة ما بعد حرب الكورونا وإلاّ ذهبت ريحها كما فعل الشّبان المهندسون في تونس بتطويرهم لآلة التّنفس وكما مدّت المرأة الخياطة الكمامات وصنعتها في بيتها والصيدلي الذي طوّر الجال المعقم بعد ما استولى القراصنة الإيطاليون على المواد الأوليّة لصنع الجال والكمامات اعتبرا أنّ الحاجة هي أمّ الاختراع… النٌّقد الكبير لأصحاب القرار بعد الحرب العالميّة الثانية الذي كان همّهم تطوير جودة الحياة من حيث الرّفاهة و التكنولوجيات المتطورة ومقابلها في الحروب الباردة والعلنية تطويرا للأسلحة وخاصة أسلحة الدمار الشامل فدارت الحرب الأولى والثانيّة وحروب أخرى كحرب العراق وإيران والحرب الأمريكية على العراق والصناعة المبرمجة للقاعدة وداعش…لنجد أنفسنا أمام حرب جرثوميّة تتنافس الدول العظمى لإسقاط بعضها البعض وخاصة بين الصّين وأمريكا… ولم يفكروا قط ّ في الإنسان لذلك بقيت بعض الأمراض عصيّة كالسيدا و السرطان و آخرها كوفيد 19 – كورونا والذي ظهر في الصين منذ 31 ديسمبر 2019 وتواصل أكثر من شهرين فيها ليعصف بآلاف البشر وفقدان الألاف الآخرين في مدّة قصيرة …وقتها جاوز الحدود وعصف بالعالم وخاصة إيران و إيطاليا و فرنسا واسبانيا و تحاول تونس اليوم أن تحدّ منه في أسبوعه الثالث بقراراتها الحاسمة ووعي شعبها الذي مشت الحريّة منذ ثورة الياسمين في شارع بورقيبة وشوارع تونس جمعاء…وقد تمكنّت الصين من السيطرة عليه بوعي شعبها وقوة حكومتها ودولتها…وهوما افتقدته إيطاليا وفرنسا في تأخير قراراتها وأنقلترا في التلاعب بشعبها . وتلهفت الشعوب الأوروبيّة على المنتوجات وتسرّبت العدوى إلى الشعوب العربيّة في التلهّف على الغذاء متجاوزين الحجر الصحّي مقبلين على المؤونة متجاهلين الموت . فسوّت الكورونا بين الشعوب ومن يعتقد في وعي شعب مقابل همجية آخر فهو مجانب للصّواب . فقد رأينا الشعب الفرنسي المتحضر يختطف الأكل ويتلهف على القوت…وكذا الشعوب العربيّة …فالوعي نسبيّ…أمام جوع البشر… وتتحمّل الدول العظمى التي نهبت ثروات الشعوب المفقّرة وحولّت أراضيها إلى قنابل سرطانيّة مسؤوليتها تجاه الإنسان. فلِمَ لم ْ تفكر منظمة الصحة العالمية في العلم وتطوير البرامج الصحيّة في العالم . فلو رصدت الدول العظمى ربع الميزانيّات التي رصدتها لتطوير السيارات والطائرات و الباخرات والأسلحة والهواتف الجوالة لفائدة الإنسان والطب لما عجزت اليوم أو تظاهرت بالعجز و أوصلت الإنسان إلى المجهول. نعوّل على وعي الشعوب العربيّة في بناء الوطن الجديد بعد الكورونا…وخاصّة الشعب التونسي الذي أبهر العالم بثورة الياسمين سنة 2011 وبالديمقراطية التي جرّت الوطن العربي وراءها لبناء الديمقراطيّة…كما نعوّل على الصّرامة في تطبيق القانون… الخوف كل الخوف من ضعف مواردنا و أنانية الدول العظمى. فإيطاليا تخلّت عنها أوروبا وأنجدتها الصين وأمريكا فارقها أصدقاؤها و أنجدتها عدوتها كوبا…والسؤال الملحّ حول الدول الرأسمالية وعلاقاتها والدول الاشتراكية و صداقاتها …؟

يتبع الجزء الثاني…. بقلم الناقد البشير الجلجلي(تونس) [email protected]

المراجـــــــــــع

1- البشير الجلجلي : ناقد و أستاذ و باحث جامعي تونسي مختصّ في البحوث السّرديّة. 2- شاكر عبد الحميد، مقال عصر الصورة، مجلة عالم المعرفة، الكويت، عدد 311، جانفي 2005، ص 360. 3- لمزيد التّوسع اُنظر كتابات “تشارلز تايلور” في هذا الصدد وخاصّة كتاب ،Sources of the self , the Making of Modern Identity , Combridge , Combridge Univercity Press, 1989 نقلا عن عربيّة الهرماسي ، ” مسألة التّعدد الثّقافي لدى تشارلز تايلور “مذكّرة لنيل شهادة الماجستير في الفلسفة المعاصرة ، إشرافد. صالح مصباح، كليّة العلوم الإنسانية والاجتماعية بتونس جوان 2010.

قد يعجبك ايضا