الكورونا لحظة كشف للذّات الإنسانيّة (زيف الإنسان أو موت الإنسان المعاصر)

 

(الجزء الثاني) بقلم : الناقد البشير الجلجلي(1) (تونس)

تحدّثنا في القسم الأوّل من مقالنا عن فيروس الكورونا ( كوفيد 19) وجدل الهُوّيات الجديدة: هل هي حرب جرثومية أم هي لحظة تغيّر لخريطة العالم؟ مسلّطين الضوء على تاريخ الفيروسات والوجه الحقيقي لها و المتسبّب الرّئيس فيها والزمن الذي يلي الكورونا تاريخا وشعوبا وهُويّات … كما أشرنا إلى “مزايا” الكورونا على الإنسانية محيطا نظيفا وعائلة مترابطة ونظافة تقرب الوُسواس ليتساوى الرئيس والمرؤوس ، فالناس أمامها كأسنان المشط. وأختتمنا المقال بالإشارة إلى زيف الأنظمة الرأسمالية التي لم تولِ اهتماما للعلم فعجزت أمام الفيروس أو صنعته في حربها الجرثومية ، وعودة الأنظمة الاشتراكية إلى الصدارة في تآزرها مع إيطاليا التي تخلّى عنها اتحادها وحلفائها. أمّا القسم الثاني فخصصّناه لحرب الكورونا التي أعلنتها على الإنسان …تراه ولا يراها في حرب غير متكافئة…كحرب الشوارع التي خاضها جنود العراق البواسل وجنود تونس في حرب بنزرت …يسعى الإنسان ليقتات فتفتكّ الكورونا منه حياته وقوته…صُنعت الكورونا من عديد الفيروسات ومات الطبيب الصيني الذي اكتشفها خوفا من إطلاق لسانه قبل الحمّى التي أصابته تاركا العالم في حيرةٍ ، والمجتمع الصيني في تأنيب ضمير لأنّه كذّبه فعوقب عقاب سينمار …وهوما دعاني إلى الإشارة إلى زيف الإنسان المعاصر…الذي أوهمنا علما وتقدّما فغزا الفضاء بزيف صعود الأمريكان القمر في ستينيات القرن الماضي في حرب باردة بين المعسكرين المتسابقين للسيطرة على الإنسان ، فأوهنا الغرب أنه يعيش “منذ أكثر من قرنين الآلة والصورة والتطور الحضاري والعلمي والفضائي إلخ(…) فكلما أحكموا السيطرة على الفن أحكموا السيطرة على العالم، بالسيطرة على الراهن الحضاري من خلال إيهاب الآخر وإيهامه بالتعجيب والخوارق واللامعقول…”(2) ….شهقت المباني وناطحات السّحاب وتكلّم الإنسان عبر لاقط القمر الصّناعي بين القارات بزرّ هاتف…ولم يفهم بعدُ الإنسانَ الذي ألغز عليه …فبُهت وخارت قواه…وعصفت كورونا بحضارة ظنناها حضارة التّكنولوجيا والاكتشافات العلميّة…فأين جائزة نوبل للطبّ؟ فهل تُقدّم لاكتشاف علميّ أم لولاء سياسي دينيّ؟ أين منظّمة الصّحة العالميّة وتدخلها لفائدة الإنسان وأطفال سوريّة يموتون جوعا وأطفال اليمن يقـتّلون ويموتون بسوء تغذيّة…؟ ماذا فعلت تجاه أطفال الصومال وأطفال فلسطين؟ بمن تأتمر بضمير الإنسان أم باللّوبيات القويّة؟ يعلن “ميشال فوكو” في كتابه “الكلمات والأشياء” موت الإنسان المعاصر…وهي ليست إلاّ إشارة إلى الأفق المسدود التي وصلت إليه الأنساق العقليّة التي اتخذت من الذّات مرجعا وجوديا بحثا عن اليقين معليا من الذّات معتمدا مسكا أخلاقيّا وجده في “جمالية العيش ” لدى اليونان كما أشار إلى ذلك “السيد ولد أباه” في مقدمة كتابه ” التّاريخ والحقيقة ” (3). وكأنّ الإنسان المعاصر أُلقي في هذا العالم وحيدا بلا نصير ولا مجير… فأبان زيفه وقلّة حيلته رغم أنّ العقل حكم العالم لقرون فغابت الأخلاق والإتيقا وحكم الذئب في حرب كونية الإنسان على تصّور هوبز… هذا التّصوّر الفكوي بحثا عن الأنساق الأساسية للمعرفة الغربيّة التي حددت النّظم التجريبية للنّظريات العلميّة والفلسفيّة للمجتمع الغربي الذي قام على ذاتية مفرطة أعادتنا إلى قانون الغاب …فلا مكان للضّعيف فيها …ولكن فيروس كورونا أعاد حسابات الغرب فقتل الغرور فيهم ونظّم خريطة جديدة للعالم ما بعد كوفيد -19… حررت الكورونا التاريخ وقلبت الموازنات …وجعلت من “التاريخ ذاكرة مضادّة “(4)أثبتت فيه ” نتيجة ذلك شكلاً آخر من الزمن”(5)…إنّه الزّمن المضادّ للإنسان… لا يمكن ونحن نرصد هذه الحرب البيولوجية الجرثومية لإحكام السيطرة على الإنسان أن نتغافل عن العنصر الأساسي فيها وهو رأس المال الذي غدا القوّة الضاربة بتحويل الإنسان عبدا للآلة بعدما كان سيدا على الطبيعة بترييضها بعبارة ديكارت…هذه الألة الجهنّمية خلعت من الإنسان صاحب القرار أهم عنصر فيه وهو القلب أو الشعور على قول” أبو القاسم الشّابي” التونسي” عشْ للشعور وبالشّعور” ، فانفصم الإنسان المعاصر وتباعدت المسافات بينه وبين ذاته…ولم يعد إليها إلاّ نتيجة الخوف من الموت أو الجوع …فعادت بعض أخلاقه …في الحيّ والأسرة تقاسما لرغيف خبز رغم التّلهف عليه في المغازات الكبرى في جميع أصقاع العالم ….فسوّت كورونا بين المجتمعات المتحضرة وغير المتحضّرة حسب تقسيم الأقوياء ….وعاد الإنسان إلى الفِطرة…فِطرة الغذاء كما أشار إلى ذلك “ابن مسكويه” في كتابه” تهذيب الأخلاق” يقول:”قد قلنا فيما تقدّم أنّ أوّل قوّة تظهر في الإنسان وأوّل ما يتكوّن هي القوّة التي يشتاق بها إلى الغذاء الذي هو سبب كونه حيّا”(6)…ويشرح الفيلسوف ابن مسكويه في هذا الفصل” فصل في تأديب الأحداث و الصبيان خاصّة” تطوّر حاجات الصبيّ والإنسان عامة من اللّبن عبر التّصويت والبكاء ، ثم يزداد شوقه إلى أنواع الشّهوات فيتخيّل الأمور وتتزايد قوّته الخياليّة فتظهر في قوّة الغضب لدفع ما يؤذيه ويقاوم ما يمنعه من منافعه….وهذا التطوّر تحكمه قوّة الانفعال والخوف من الجوع…لذلك نرى الحكومات اليوم في العالم تتسابق لنيل رضى شعوبها فتؤثرهم بالأكل والشرب قدّام منازلهم خوفا من ثورة الأكل عندهم…والشعوب الفقيرة تعدهم الحكومات بأجر شهر أو شهرين خالصيْن لوجه الله شريطة المكوث مع “كوروناتهم ” في منازلهم….فمرة تعمد الحكومات إلى عنف الدولة المشروع تطبيقا للقانون ومرة تربت على أكتافهم خوفا عليهم وجزعا بل جزعا على كراسيها…والخوف كل الخوف من خروج المجتمعات إلى الشوارع بـ”الكورونات” فيتضاعف سكان العالم …كل فرد مع كورونته أو قرينته…فيغدو العدد 5 مليارات نسمة نصفها ظاهر جليّ والنصف الأخر باطن خفيّ… وأنا أكتب هذا الجزء الثاني من المقال في ساعة متأخرة سمعت صوتا يهمسّ:”هلهبّاء هلهبّاء أنا الكورونا الشّهباء…” لم أنزعج …فالصّوت أعرفه…وصاهبّاء المسعدي تعرفني …فقد جعلتني أتفوّق في الباكالوريا آداب بمعدّل يصعب مجاوزته…قلت” اذهبي إلى ربّك…إلى صانعك…لِمَ أتيت إلى وطن عربيّ أهدى أسيادك القمح والأرض والنفط والسيّادة …” أحسست أنّي مثل “جيل دولوز” الذي لم يكمل سؤال : ما الفلسفة؟ وتركه مبتورا…أليس الصراع ضد الكورونا يشبه إلى حدّ كبير القاعدة الثانيّة في كتاب دولوز “البرغسونية” قاعدة الصراع ضدّ الوهم(7)…. وأنا أحاول فهم صديقتي الكورونا التي جعلتني أكتشف أبنائي وعائلتي وحرقة أصدقائي وشكوى الأحبة من فقدان مواعيدهم المقدّسة ، أجدني ألعنها مع اللاعنين لأنّها تأتي بلا موعد فتفرّق بين الوالد وأبنائه والأمّ وفلذة كبدها…حمدت الله أن أمّي خُميسة غادرت إلى وجه الله …وإلاّ كيف أحبس دموعها على أبنائها وهم محبوسون في منازلهم…وعن أبي المنفلت دوما من الرّقابة…وتمنّيـت حضنها ولو ليلة قبل أن أخرج كل يوم لمواجهة الكورونا بحثا عن رغيف خبز قد لا أعود بعده أمام خبّاز هو الباي إبّان الدّولة المراديّة…فأراها توصي وتُعيد وتنصح وتتفقد وتنظر في إحمار عين وانتفاخ وجنة ، فتُعدّ الشاي وتثنّيه بالتيزانا والحشائش…أفقت من حلمي وحاولت تأويله…فقال لي” س.فرويد” : إن الأطبّاء يقولون برأي معاكس جذريا لرأي الفلاسفة ، فالحلم ينجم عن إثارات جسميّة وحسيّة تأتي إلى النائم من العالم الخارجيّ ومن أعضائه الداخلية على حدّ سواء…فكيف سيفهمون الحلم والكورونا عصيّة عليهم…ابحث عن الحلم لدى غير العارفين بالطّبّ…فهو ثلاث فئات خلاصتها أنّه” ثمّة علاقة سرّية وضروريّة بين الطابع المبهم واللاّمفهوم للحلم وبين المقاومة التي تواجه كلّ محاولة لبيان فكرته الكامنة”(8).أمعنت النّظر في ترجمة ” ج .طرابيشي” التي أرهقتني وحاولت تفسير حلمي …فبان واضحا أنّ الوالدة هي تونس وهي تحنو علينا خوفا وجزعا…وهو الوطن العربي مكمن عزّتنا والواو الصغرى الضائعة منّا وهي كامنة فينا بعبارة إبراهيم الكوني موضوع كتابي النّقدي الجديد…. انتظرونا في الجزء الثالث من المقال…

بقلم الناقد البشير الجلجلي ( تونس) [email protected]

المراجع

– البشير الجلجلي : ناقد و أستاذ و باحث جامعي تونسي مختصّ في البحوث السّرديّة.

2- أكد لنا هذه النزعة الذاتية الغربيـة المدافعـة عـن منجزاتـها، الفيزيائـي التونسـي في “الناسا” الأمريكيـة، د. محمد الأوسط العياري أواخر جويلية 2009 في ندوة صحفية بولاية المنستير التونسية أنه لم يعثر على أرشيف ولا وثائق تدل على صعود الأمريكان في الستينات إلى سطح القمر… وهو ما أثبته التصوير الحديث الذي أقرّ أن صورة الإنسان على القمر في الستينات هو فيلم مركب عن طريق السينما الأميركية الهوليودية في إطار الحرب الباردة بين أمريكا والسوفيات. كما أثبت العلم اليوم أن سطح القمر لا يحتوي على هواء في حين أننا لاحظنا في تلك الصورة أن علم أمريكا كان يرفرف نتيجة الهواء ولاحظنا كذلك ظل رائد الفضاء والظل لا يكون إلا نتيجة انتشار الضوء وأين القمر من هذا الضوء؟! لمزيد التّوسّع اُنظر البشير الجلجلي ” العجائبي في الرّواية العربيّة” ، الدار التّونسية للكتاب ، تونس ، 2016 ، ص 50

3- لمزيد التّوسّع اُنظر ، السيد ولد أباه، التّاريخ والحقيقة لدى ميشيل فوكو، الدار العربية للعلوم ، بيروت، 2004، صص .12-13

4- لمزيد التّوسّع اُنظر،Michel Foucault, Nietzche , Généalogie et Histoire –Hommage à Hyppolite ,P.63 نقلاعن التاريخ والحقيقة (م.م) ص.103.

5 -Ibid.M. P. 6 – ابن مسكويه ، تهذيب الأخلاق ، مطبعة محمد علي صبيح وأولاده بالأزهر ،مصر، د.ت،ص.57.

7 – جيل دولوز، البرغسونيّة ، تعريب أسامة الحاج ،المؤسسة الجامعية للدّراسات والنّشر والتّوزيع ، بيروت ، 1997، ص.16.

8 – سيغموند فرويد ، الحلم وتأويله ،ترجمة جورج طرابيشي، دار الطليعة للطباعة والنشر ، بيروت ، 1978، صص6-7-8-17-18، ط .2،ط.1، 1976.

قد يعجبك ايضا