الكورونا تخرق المجتمعات وترمي به إلى المجهول…(الجزء1)

الكاتب محمّد عمامي(باريس)
متابعة ايمان مليتي

منذ انهيار جدار برلين وما تلاه من تفكك للجزء الأكبر من المعسكر الاشتراكي وعلى رأسه الاتحاد السوفياتي، ساد الاعتقاد أنّ العالم الرأسمالي الليبرالي والدولة الليبرالية قد هيمنت بصفة نهائية وأنّ انفراط بقية عقد المنظومة الاشتراكية ليس سوى مسألة وقت. وفي غمرة الشعور بالنصر اتجه دعاة “النظام العالمي الجديد” إلى تصفية لا فقط أنظمة الاشتراكية الدولانية بل وأيضا تلك التي استفادت من الحرب الباردة لتبني دولا حمائية قوية وتجرأت على الخروج عن طوع “العالم الحر” الأمريكي/الأوروبي. غير انّ صمود الصين وكوبا والفيتنام وكوريا الشمالية واستعادة روسيا بوتين قوتها واستحضارها الدور التقليدي للاتحاد السوفياتي مثل عائقا حقيقيا لا يزال يؤرّق دول الحلف الأطلسي التي وجدت نفسها مورطة في حروب وتوترات إقليمية منتشرة على مناطق عديدة وخطيرة تمتد من الشرق الأوسط إلى افريقيا وأمريكا الجنوبية والوسطى. وبما أنه لم يكن، دوما، متاحا لها اثارة حروب بالوكالة عن طريق قوى محلية اضطرت أحيانا الى التدخل المباشر مما جعل الشعوب المستهدفة تستفيق باكرا من نشوة الانجذاب بـ”عالمها الحر”. ضمن هذا الظرف يحل انتشار فيروس كورونا. وهو وباء يبدو أنه سيكون له تأثير كبير على العوامل الجيوسياسية في الفترة القادمة.
1- محاولة توظيف أمريكية/أطلسية فاشلة: خرج الفيروس من هونان في الصين. وبغضّ النّظر عن صحة الزعم الذي يرجعه إلى حرب جرثومية أم لا، فأنّ الحملات العنصرية والشامتة من الحكومة الأمريكية وبعض الحكومات الأوروبية سريعا ما استحالت إلى رعب يقضّ مضاجع الجميع. فقد تبين أن الفيروس ليس صناعة صينية بحتة ولا يستهدف الصين وحدها بقدر ما هو وباء عالمي سريع الانتشار وشديد الخطورة. وهكذا تحول التبجّح والتعالي إلى صيحات فزع واستغاثة. وعجزت الدول على مواجهته فسارعت إلى الحجر الصحي، بحيث كشف عجز دول ومجتمعات فرطت في عناصر قوتها وأصبحت رهينة لدى الخواص واضعفت كثيرا قطاعاتها العمومية وخربت مرافقها وخدماتها الأساسية. وطبعا برز بالكاشف انّ الدولة الليبرالية مهما تشدقت بالحرية والديمقراطية، هي أكثر الدول استهانة بالعدد الأكبر من مواطنيها المحرومين والمقصين من الثروة ومن الخدمات الرفيعة مشطة المعاليم. وحتى تلك التي تفخر بنظمها الحمائية الاجتماعية والرعاية الصحية لا تشمل التغطية المجانية فيها سوى بعض الأمراض البسيطة والأدوية والتجهيزات القاعدية. وفي كل ما عدا ذلك تبيّن أن تلك الدول لا تملك القدرة على رعاية مواطنيها ولا مقاومة الأزمات الصحية المفاجئة والجماهيرية وخاصة الأوبئة والأمراض التي تنتشر بسرعة مثل الكوفيد 19.
2- تأكد تفوق الدولة الاشتراكية البيروقراطية في المجالات الاجتماعية: شهدت الثورات الاشتراكية طوال القرن العشرين صعودا في جميع أنحاء العالم وحققت انتصارات كبيرة في تجسيد مكاسب اجتماعية هامة خاصة في ما يخص فرض نمو متسارع وتشغيلية كاملة وتطوير الخدمات العمومية المجانية أو منخفضة المعاليم وعممت التعليم والتغطية الاجتماعية الجماهيرية. ولئن آثرت الديمقراطية-الاجتماعية تحقيق الاشتراكية بواسطة تحويل الدولة الرأسمالية نفسها إلى دولة راعية لمواطنيها بكل طبقاتهم (إعادة صياغة المجتمع الرأسمالي بتوسيع الديمقراطية فيه وإرساء العدالة الاجتماعية)، فإنّ التيار الشيوعي تبنّى طريق تفكيك تلك الدولة بالطريق الثورية وإعادة بناء دولة سماها “دكتاتورية البروليتاريا أو “الدولة العمالية”. وفي كلا الحالتين تحققت مكاسب اجتماعية غير أنه برزت عوائق كبيرة أمام تطور تلك المكاسب نحو أفق يجمع بين تحقيق وتدعيم العدالة الاجتماعية بصفة لا رجعة فيها، من جهة، والقضاء على الاستغلال الرأسمالي من جهة، وبين توطيد الحرية وتوسيع الديمقراطية والفعل الجماهيري، من جهة أخرى.
وعلى العكس، كثيرا ما كانت تلك الرعاية الاجتماعية في البلدان “الشيوعية” مطية لتفاقم سلطة الدولة الجديدة وتنامي فئة بيروقراطية اغتصبت النفوذ وهيمنت على مصائر الأفراد والمجموعات واختزلت الشعوب إلى مجرد منتجين/جنود مسلوبي الإرادة والفكر وإذن، فاقدين للإنسانية. ومع تكشف تلك الأبعاد الدكتاتورية للاشتراكية الدولانية وتأزم مشروعية هيمنتها وتطور التفاوتات صلب مجتمعاتها، أفصحت عن رأسمالية دولة مطلقة السيادة، تحول بموجبها بيروقراطيو الدولة إلى رأسماليين جدد. وبعد عقود من الكبت والرقابة الذاتية والتماهي مع دولة شمولية، بدأ التوق إلى الحرية يدفع شعوبها إلى الثورة، مضحية في أحيان كثيرة بالمكاسب الاجتماعية التي حازت عليها لحد ذلك الحين. وتحول العالم الرأسمالي الليبرالي، في نظرها، إلى مثال للديمقراطية وضامن للحرية المفقودة. ومنذ أزمة 2008 بدأ العالم الرأسمالي هو نفسه يدخل في أزمة حادة ما فتأ يفقد بموجبها الكثير من مشروعيته الإصطناعية التي غذاها انتصاره على المنظومة الاشتراكية الدولانية إثر انهيار الاتحاد السوفياتي وأروبا الشرقية.
ومع حلول وباء الكوفيد 19 في الصين حاول قادة الغرب الرأسمالي استثماره لعزلها والتخلص من الاختناق الذي يسببه تسارع نموها وسيطرتها على أسواق عديدة وعلى رأسها أسواق التكنولوجيات الأحدث. غير انّ انتشار الوباء السريع في المراكز الرأسمالية الليبرالية وتكشف هشاشة قطاع الصحة في تلك البلدان، من جهة، وتكشّف قدرة الصين وبعض البلدان التي لازالت تحت منظومة الاشتراكية الدولانية (كوريا الشمالية، كوبا، الفيتنام) على مقاومة انتشار الوباء وسرعة التفاعل مع أخطاره وصلابة المؤسسات والخدمات الصحية وتقدم الأبحاث والإجراءات الوقائية لديهم خلق ميزان قوى جديد كشف عن هزيمة الرأسمال الليبرالي في مثل هذه الأوضاع وضعف الدول هناك وعدم سيطرتها على القطاع الخاص وافتضاح فقر القطاع العمومي أو خرابه في بعض البلدان. واضطرت أمريكا وأوروبا إلى التخلي عن صلفها وعنجهيتها المعهودتين وصارت تنتظر الإعانات من الصين وحتى من كوبا، تلك الدويلة التي يمارس الجميع عليها حظرا اقتصاديا خانقا منذ عقود طويلة.

قد يعجبك ايضا