الإِفْقَارُ يُوَلِّدُ الْحَرْبَ الاجتماعية في تونس

  • تاريخ النشر :
  • عدد المشاهدات : 86 4 5

متابعة لسامية بن راشد

صحيفة العربي الجديد، آراء، الجمعة 12جانفي 2018
توفيق المديني

هناك إجماع في تونس أن البلاد تعيش على نسق الهزات الأرضية الخفيفة التي تنذر بالزلزال الكبير،أو الحرب الاجتماعية،من جرّاء قانون المالية (موازنة الدولة لسنة 2018)، وخوف الشباب التونسي من البطالةٍ طويلة الأمد التي يعيش فيها منذ عقد ونيف ، وفقدان الثقة في كل الطبقة السياسية الحاكمة على اختلاف مرجعياتهاالإيديولوجية والسياسية ،و كذلك في وعود الحكومات المتعاقبة ما بعد سنة 2011، وصولاً إلى التشكيك والقرف – في قدرة المسؤولين الحكوميين على حلّ المشاكل الاقتصادية و الاجتماعية ، والشعور المنتشِر في كلّ مكان بأنّ “النظام” لم يعُد قادرًاعلى الاستجابة لحاجات وطموحات وانتظارات الشعب التونسي
تلك هي الأسباب الحقيقية للاحتجاجات الشعبية التي تشهدها البلاد في أحزمة الفقر المحيطة بالعاصمة، والعديد من المدن الداخلية التي تعيش حالة من التهميش التاريخي وانعدام مشاريع التنمية، وزيادة الإفقار،علاوة على الزيادات الأخيرة في أسعار العديد من المواد بما في ذلك أسعار المحروقات ،ما أدّى إلى تدهور مستوى المعيشة للملايين من التونسيين،الذين باتوا يخصّصون بسبب فقرهم القسم الأكبر من مداخيلهم لتأمين الغذاء،إضافة إلى جملة من الإجراءات الجبائية التي أقرها قانون المالية وقانون الميزانية لسنة 2018 التي تهدف إلى تعبئة ملياري دينار تم توظيفها على كاهل المواطن، حيث كرست الحكومة الحالية من خلال هذين القانونين سياسة تفقير الشعب ، وتدمير الاقتصاد، والاضطهاد الاجتماعي.
تونس بلد الحرب الاجتماعية بامتياز، فقد أقلقت الثورات الاجتماعية النظام التونسي السابق، إذ ارتسم في الذاكرة الجمعية التونسية أن شهر جانفي /كانون الثاني،هو الشهر الذي تشهد فيه البلاد التونسية حراكًا اجتماعيًا قويًا ،حيث يكشف لنا التاريخ اندلاع العديد من الانتفاضات ذات الطابع الاجتماعي ،على غرارالمواجهة العنيفة بين الاتحاد العام التونسي للشغل وحكومة الهادي نويرة،والتي توجت بانتفاضة الخميس الأسود في 26 جانفي/يناير1978،مرورًا بثورة الخبز في جانفي/يناير 1984 إلى انتفاضة الحوض المنجمي 2008 وصولا إلى الانتفاضة الأخيرة في 14جانفي/يناير2011،التي نجحت في الإطاحة بنظام الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي.
وإذا كانت الطبقة السياسية الحاكمة في تونس تعتقد أنّها بمنأى، إذا اعتبرت أن هذه الاحتجاجات الاجتماعية العنيفة لن تتحوّل إلى ثورة، فلقد آن الأوان لإعادة النظر في طريقة تفكيرها،لا سيما حين اعتقد الإئتلاف الحاكم المتكون من حزبي النداء و النهضة، أنه حقق انتصارًا في مجلس النواب، بإقراره قانون المالية لسنة 2018، متجاهلاً أن المعركة الحقيقية لتطبيق قانون المالية ليست البرلمان ، ولكن في أوساط الطبقات الشعبية الفقيرة ، التي تعيش في أحزمة المدن الكبرى، والمحافظات الداخلية الفقيرة.
إنّ تحوّل البطالة الواسعة النطاق التي تضرب فئة الشباب التونسي،لا سيما من حملة الشهادات الجامعية إلى حقيقةٍ واقِعة ،واندلاع “انتفاضات الجوع” التي تشهدها تونس من وقت لآخر، لاسيمافي الوقت الحاضر، ليسا سوى إحدى نتائج الفوضى الاقتصادية التي ظهرت من جرّاء اندماج الاقتصاد التونسي في نظام العولمة الليبرالية، وخضوعه لوصفات وشروط المؤسسات الدولية المانحة، المتمثلة بتطبيق برنامج للإصلاح والتكيف الهيكلي العزيز لدى صندوق النقد الدولي والبنك الدولي،و الذي جوهره الليبرالية الاقتصادية الجديدة.. ففي تونس ، شهدت عدة مناطق حركات اجتماعية اتّسمت بالعنف وصُوّرت غالباً على أنّها ذات طابع تخريبي ، ولكن هذه الانتفاضات لها طابعٌ اقتصاديٌّ ينبعث من هيمنة الشعور بالظلم.علمًا أن أحزاب المعارضة التونسية ، لا سيما الجبهة الشعبية أكدت على لسان ناطقها الرسمي السيد حمه الهمامي:” أن حركة الاحتجاجات، ضد الزيادة في الأداءات وفي أسعار بعض المواد والخدمات التي أقرها قانون المالية، مشروعة معتبرا أن بعض الانحرافات وعمليات النهب التي رافقت هذه الاحتجاجات ليلة أمس في عدد من المناطق المتاخمة للعاصمة ليست سوى محاولات لتشويه هذه التحركات الاحتجاجية السلمية ولتغيير مسارها “.
ومع ذلك كل الحكومات المتعاقبة بعد سنة 2011، أعادت إنتاج النظام السابق في مجمل خياراته الاقتصادية و الاجتماعية،ولكن بصورة غاية في السوء، وهي ذات الخيارات التي أسهمت في تقويض النظام السابق ، ومع ذلك عملت كل الحكومات ما بعد الثورة على المحافظة على نفس منوال التنمية القديم الذي أثبت إفلاسه التاريخي بشهادة المؤسسات الدولية المانحة، وعبر المصادقة على القانون الأساسي للبنك المركزي التونسي الذي بمقتضاه تخلى عن حماية العملة الوطنية(الدينار التونسي)، الذي فقد قيمته أمام العملات الأجنبية، لا سيما اليورو والدولار، بسبب رفض مراجعة اتفاقيات التبادل الحرّ مع الاتحاد الأوروبي ،التي تقف وراء إغراق السوق التونسية بالمنتوجات الأجنبية ،الأمر الذي أدّى إلى ضرب كل قطاعات الإنتاج وإفلاس المؤسسات وتدمير مواطن الشغل.
كل المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية من تفاقم العجز التجاري الذي تجاوز في سنة 2017 عتبة 25 مليار دينار،وهو العجز الحقيقي الذي ترفض الحكومة الإقرار به،إلى ارتفاع نسبة التضخم بنحو 6.3 بالمائة خلال شهر نوفمبر 2017 ، إلى تراجع القدرة الشرائية للمواطن التونسي بأكثر من 42 بالمائة خلال السنوات الأخيرة في ظل انخفاض معدلات النمو الاقتصادي، فضلاً عن تراجع قيمة الدينار التونسي ، الذي له تأثير مباشر وخطير على معيشة المواطن ، إذ إنّ حوالي 70في المئة من واردات تونس هي واردات استهلاكية وكذلك على النسيج الصناعي الذي يخسر شهريا واحد في المئة من قدرته الإنتاجية، إضافة إلى الضغط الجبائي، كل هذه المؤشرات تقدم لنا اليوم صورة مفزعة تؤدي إلى انخرام كلي في المالية العمومية و الاقتصاد الكلي والجزئي والإنتاج والاستهلاك والاستثمار، فضلاً عن أنّ 26في المئة من ميزانية الدولة متأتية من الاقتراض من الخارج وذلك منذ سنة 2011،وأنّ 16 مليار دينار تونسي،أي نحو 6.6 مليارات دولار، من جملة 22 مليار دينار، أي ما يعادل 9.1 مليارات دولار، التي تجمعها الدولة من الضرائب، تذهب إلى الأجور و3 مليارات دينار تخصص للدعم.
فالطبقة الوسطى التي كانت في أساس تحول تونس إلى الديمقراطية في سنة 2011،وكانت إلى حدود السنوات العشر الأخيرة تمثل القسم الأكبر من تركيبة المجتمع التونسي، وتضم أساسا موظفي الدولة والإطارات الوسطى (خريجي الجامعات)، بالإضافة إلى متوسطي التجار والصناعيين، فإنّها في طريقها إلى الاضمحلال أو بالأحرى اضمحلت بحسب تأكيد معظم خبراء الاقتصاد . و قد كشف بحث علمي أنجزته جامعة تونس أن الطبقة المتوسطة هي الأكثر استهدافا بهذا الانخفاض، الأمر الذي تسبب في تراجع تصنيف هذه الطبقة ضمن تركيبة المجتمع التونسي من 80 إلى 67%، خلال السنوات الماضية، ما يعني أن 17.5% انحدروا فعليا إلى تعداد الفقراء منذ 2012.
في الوقت الحاضر تآكلت الشرائح السفلى من الطبقة الوسطى وفقدت موقعها الاجتماعي لتتدحرج إلى فئة الفقراء نتيجة التحولات الاقتصادية وتداعياتها الاجتماعية في ظل نسق تصاعدي مشط لارتفاع الأسعار مقابل سياسة تأجير شبه جامدة مما أدى إلى بروز «ظاهرة الفقراء الجدد» بعد أن تدهورت المقدرة الشرائية لتلك الشرائح بشكل حاد.ويرجع الخبراء بروز «الفقراء الجدد»، إلى عمق التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي شهدتها تونس خلال السنوات ما بعد الثورة ،في ظل أزمة حادة مزقت منظومة النسيج الاقتصادي والاجتماعي، وهزت المكانة الاجتماعية لعديد الفئات من المجتمع وفي مقدمتها الشرائح السفلى من الطبقة الوسطى التي لم تتحمل تداعيات التحولات وعجزت على مجابهة انفلات الأسعار ما أدّى إلى تدهور حاد في مقدرتها الشرائية ومن ثم انزلقت لتلتحق برقعة الفقر.
وحسب معطيات المعهد الوطني للإحصاء، فقد تفاقمت نسبة الفقر الشديد من 15في المئة في أواخر سنة 2009 من مجمل السكان إلى نسبة 30 في المئة في الوقت الحاضر، حسب المسوحات الميدانية لمصالح وزارة الشؤون الاجتماعية، فأصبحت نسبة الفقر اليوم تشمل أكثر من مليوني تونسي صاروا تحت خط الفقر بحسب المعايير الوطنية والدولية، ويعانون بالتالي صعوبة في التغذية، ونقص مداخيلهم ما ألجأهم إلى التداين المفرط لتلبية ابسط مقومات العيش.

الاقسام

كلمات المشاركة

تعليقات الموقع

تعليقات الفيسبوك

ابحث معنا

مساحة اعلانية




اخبار عالمية

عاجل: رسميآ.. السعودية تعترف بقتل خاشقجي بالقنصلية

الشرقية: كتب: أحمد حجاج حجاج صرح النائب العام السعودي بأن التحقيقات الاوليه التي قد أجرتها النيابه العامه في المملكه العربيه…

شاركنا صفحتنا